د. محمد علي الخولي
يسألني كثيرون عن تمسكي بمصطلح “أبناء الثقافة الثالثة”، وعن تحفظي على الاكتفاء بمصطلح “وارثي اللغة” لوصف الفئة التي أبحثها. وليس اعتراضي على أهمية دراسات اللغة الموروثة ولا على ما أنجزه الباحثون فيها، إنما يتعلق بالسؤال الذي تضعه التسمية في مقدمة اهتمامنا: هل نصف صلة الفرد بلغة أسرته فحسب، أم نصف أيضا خبرته الثقافية وهويته وانتماءه؟
مساري البحثي منذ عام 2017
بدأت اهتمامي البحثي بأبناء الثقافة الثالثة عام 2017، واخترت هذا المصطلح لوصف الفئة التي أردت دراستها. ولا أذكر ذلك بوصفه ادعاءً بأني أول من استعمل المصطلح بالعربية أو كتب عن الظاهرة، فالمصطلح ظهر قبل ذلك في كتابات إعلامية وتربوية. ففي عام 2014 نشرت CNN بالعربية مادة بعنوان “أطفال الثقافة الثالثة”، وفي عام 2016 تناول مقال تربوي في الأهرام الظاهرة وعلاقتها بالمدارس الدولية والهوية.
ما لم أجده آنذاك، في حدود ما وقفت عليه، هو مسار بحثي عربي واضح ومتخصص يجعل تعليم العربية لأبناء المهاجرين العرب موضوعا قائما بذاته، ويدرس خصائصهم واحتياجاتهم ويقترح أسسا ومعايير لمناهجهم.
ومن هذا المنطلق تبلور عملي البحثي، فشاركت في دراسة عن تشكّل الثقافة الثالثة لدى الطلاب السوريين في الجامعات التركية، نُشرت عام 2021، ثم أنجزت أطروحتي في بناء أسس ومعايير منهج تعليم العربية لأبناء الثقافة الثالثة العرب، المسجلة في جامعة مرمرة بتاريخ 11 أيار/مايو 2022، ونشرت بعد ذلك المصطلح بين الباحثين وطلاب الماجستير والدكتوراه الذين أشرفت عليهم، لذلك أرى عملي من المحاولات العربية المبكرة المتخصصة في تعليم العربية لهذه الفئة، لا أول كتابة عربية عن أبناء الثقافة الثالثة على الإطلاق.
حين كان موضوع الدراسة جماعة ناطقة بالإنجليزية خارج بلدها
تبلور مفهوم “الثقافة الثالثة” في سياق دراسة الجماعات العابرة للثقافات. ففي عام 1963 نشر جون أوزيم وروث هيل أوزيم وجون دونوغيو دراسة عن أدوار الأمريكيين وغير الغربيين في الإدارة عبر الثقافات. ثم درس جون وروث أوزيم عام 1967 الجماعة الأمريكية في الهند، ونشرا بحثهما بعنوان The Interfaces of a Binational Third Culture. وبعد ذلك تناولت روث هيل أوزيم وريتشارد داوني خبرة الأطفال الذين عاشوا خارج بلد أسرهم في مقال Third-Culture Kids المنشور عام 1976.
لم يكن بحث أوزيم التأسيسي دراسةً لتعليم الإنجليزية للهنود؛ بل كان موضوعه الأمريكيين المقيمين في الهند، وما ينشأ من تفاعل اجتماعي وثقافي في مجتمع مختلف. ومن ثم ظهرت “الثقافة الثالثة” في هذا المسار بوصفها إطارا لفهم العلاقات والخبرات التي تتشكل بين جماعات وثقافات، ثم اتسع الاهتمام إلى الأطفال الذين عاشوا هذه الخبرة مع أسرهم.
لاحقا، درست روث هيل أوزيم وآن بيكر كوتريل خبرة أبناء الثقافة الثالثة بعد بلوغهم سن الرشد، وأسهم ديفيد بولاك وروث فان ريكن في نشر المفهوم وتداوله، ولا سيما من خلال كتابهما The Third Culture Kid Experience: Growing Up Among Worlds.
وفي السنوات اللاحقة ناقش باحثون حدود المفهوم، فنبّهت دراسات إلى أن استعماله التاريخي ارتبط كثيرا بالأسر الغربية المتنقلة ذات الامتيازات، وأنه لا يصف تلقائيا وبالدرجة نفسها تجارب أبناء المهاجرين واللاجئين وغيرهم.

حين كان موضوع الدراسة لغة جماعة غير مهيمنة
في سياق آخر، برز مصطلح Heritage Language في دراسات تعليم اللغات المرتبطة بأسر المهاجرين والجماعات اللغوية الأقلية. ويُستعمل في الأدبيات الأمريكية لوصف لغة ذات صلة أسرية أو مجتمعية لدى المتعلم، تعيش إلى جانب لغة مهيمنة في المجتمع ومؤسساته.
ففي الولايات المتحدة، مثلا، تكون الإنجليزية لغة المجتمع الغالبة، فيما تُدرَس لغات مثل الإسبانية والروسية والعربية وغيرها لدى أبناء أسر يتحدثونها أو يرتبطون بها في البيت والمجتمع.
ولا يصح أن ننسب نشأة المصطلح إلى باحث واحد من دون دليل تاريخي حاسم. فقد أسهم باحثون في تعريف المجال ودراسة متعلميه وطرائق تعليمهم، من بينهم:
غوادالوبي فالديز (Guadalupe Valdés): كتبت عن تعليم لغات التراث وعن المتعلمين ثنائيي اللغة، ودرست تعليم الإسبانية في الولايات المتحدة. ويبيّن عملها أن هذا المجال يتصل بممارسات التعليم وبالظروف التي يعيش فيها المتعلمون، وليس بمجرد وصف مفرداتهم أو قواعدهم.
جوشوا فيشمان (Joshua A. Fishman): تناول تاريخ تعليم لغات التراث في الولايات المتحدة، ضمن اهتمام أوسع بعلم اجتماع اللغة وصيانة اللغات في سياقاتها الاجتماعية. ويظهر هذا الاتساع في فصله “أكثر من ثلاثمئة عام من تعليم لغات التراث في الولايات المتحدة”.
نيلكه فان ديوزن شول (Nelleke Van Deusen-Scholl): ناقشت تعريف اللغة الموروثة من منظور تربوي واجتماعي سياسي في مقالتها المنشورة عام 2003، Toward a Definition of Heritage Language: Sociopolitical and Pedagogical Considerations. ويكشف عنوان المقال نفسه أن النقاش تجاوز تحديد اللغة إلى بحث موقعها الاجتماعي والتربوي.
أولغا كاغان (Olga Kagan): تناولت تعليم الروسية للمتعلمين ذوي الخلفية الأسرية، وشاركت كاثلين ديلون في بحث “منظور جديد لتعليم الروسية: التركيز على متعلم اللغة الموروثة”. وقد دعا البحث إلى منهج يتناول الجوانب اللغوية والتواصلية والثقافية، ومنها الأدب والتاريخ.
سيلفينا مونترُل (Silvina Montrul): درست اكتساب اللغة والثنائية اللغوية، وبحثت لغات مثل الإسبانية والهندية والرومانية لدى متحدثين بها في الولايات المتحدة. وتوضح أعمالها أن دراسات اللغة الموروثة قد تتناول أكثر من لغة واحدة، وأن أسئلتها تشمل اكتساب اللغة وتطورها لدى المتحدثين بها.
وتبيّن هذه الأعمال أن باحثي اللغة الموروثة لم يهملوا الثقافة بالضرورة، بل تناولها بعضهم صراحة.
لكن الاسم نفسه يقدّم اللغة إلى واجهة النظر: ما اللغة التي يعرفها المتعلم؟ وما مستوى كفايته فيها؟ وما حاجاته التعليمية؟ وهذا وصف لأثر التسمية وإيحائها، لا حكم على نيات الباحثين أو على جميع تفاصيل بحوثهم.
ليست القضية في سلامة المصطلح وحدها، بل في زاوية التسمية
عندما تتناول الدراسة جماعة أمريكية ناطقة بالإنجليزية تعيش في الهند، يظهر موضوع البحث في إطار ثقافي واجتماعي عابر للمجتمعات. وعندما تتناول جماعة لغوية أقلية داخل مجتمع تهيمن فيه الإنجليزية، يظهر مصطلح “اللغة الموروثة” غالبا بوصفه تصنيفا تعليميا للغة التي يتصل بها المتعلم عبر الأسرة أو المجتمع.
هذا تفاوت في زاوية التسمية، ولا يثبت أن الباحثين قصدوا إقصاء الثقافة أو التقليل من شأنها. لكنه يفتح سؤالا مشروعا: لماذا تُسمّى خبرة الجماعة الناطقة بالإنجليزية خارج بلدها باسم ثقافي واسع، بينما تُسمّى خبرة جماعات لغوية أخرى في المجتمع الأمريكي أو الناطق بالإنجليزية باسم يركّز على اللغة؟
تُبرز تسمية “وارثي اللغة” صلة المتعلم بلغة أسرته واحتياجاته فيها، لكنها لا تصف وحدها علاقته بثقافة الأسرة والمجتمع المضيف، ولا خبرته في الهوية والانتماء. وفي المقابل، لا ينبغي استعمال “أبناء الثقافة الثالثة” بلا تعريف إجرائي، فالمفهوم نفسه متنازع على حدوده، ولا يشمل بالضرورة كل طفل تعلّم لغة أسرته أو عاش في بلدين.
لماذا أتمسك بمصطلح “أبناء الثقافة الثالثة”؟
أتمسك به عندما يكون البحث أوسع من تعليم لغة الأسرة، فيتناول الهوية والانتماء والتنشئة بين ثقافتين أو أكثر، والتفاعل بين ثقافة الأسرة وثقافة المجتمع الذي ينشأ فيه الطفل. في هذا السياق، يجعل مصطلح “أبناء الثقافة الثالثة” البعد الثقافي ظاهرا في تسمية الفئة، ويتيح تناول اللغة بوصفها جزءًا من خبرة الطفل الثقافية والاجتماعية.
أما “وارثو اللغة”، فأراه مناسبًا حين يكون سؤال الدراسة محددًا في صلة المتعلم بلغة أسرته: كيف اكتسبها؟ ما مستواه فيها؟ وما حاجاته في القراءة والكتابة أو في تنميتها؟ لكنه لا يكفي وحده، في رأيي، حين يتناول البحث أيضًا تشكل الهوية والانتماء والمحتوى الثقافي.
لهذا أفضّل أن أقول: أبناء الثقافة الثالثة الذين يتعلمون العربية أو يتصلون بها أسريًا وثقافيا، إذا كان البحث يتناول أبعادًا تتجاوز الكفاية اللغوية. ولا أقصد إلغاء مصطلح “وارثي اللغة”، بل تحديد المجال الذي يصفه كل مصطلح واختيار التسمية التي تعكس سؤال البحث فعلًا.
خلاصة الموقف
لا تقول المقارنة التاريخية إن روث هيل أوزيم درست تعليم الإنجليزية في الهند، ولا إن باحثي اللغة الموروثة درسوا لغاتهم بلا ثقافة. ما تقوله هو أن موضوع الدراسة وتسميته اختلفا بحسب موقع الجماعة وسؤال البحث: جماعات ناطقة بالإنجليزية عاشت خارج بلدها دُرست ضمن خبرة ثقافية واجتماعية، فيما درست أبحاث كثيرة جماعات لغوية غير مهيمنة من خلال علاقتها بلغة الأسرة واحتياجاتها التعليمية.
من هنا يأتي تمسكي بمصطلح “أبناء الثقافة الثالثة”: لأنه أقدر، في سياق بحثي، على إظهار التجربة الثقافية والهووية التي قد لا تظهر في تسمية تركز على اللغة وحدها.
ويظل شرط الدقة أن نعرّف الفئة التي ندرسها بوضوح، وألا نعمم المفهوم على كل متعلم للغة أسرته من دون بيان خصائص تجربته الثقافية.
المصادر والمراجع
أولا: أبناء الثقافة الثالثة
- Useem, John, Ruth Hill Useem, and John Donoghue. “Men in the Middle of the Third Culture: The Roles of American and Non-Western People in Cross-Cultural Administration.” Human Organization, vol. 22, no. 3, 1963, pp. 169–179. https://doi.org/10.17730/humo.22.3.5470n44338kk6733
- Useem, John, and Ruth Hill Useem. “The Interfaces of a Binational Third Culture: A Study of the American Community in India.” Journal of Social Issues, vol. 23, no. 1, 1967, pp. 130–143. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1967.tb00567.x
- Useem, Ruth Hill, and Richard D. Downie. “Third-Culture Kids.” Today’s Education, vol. 65, no. 3, 1976, pp. 103–105.
- Useem, Ruth Hill, and Ann Baker Cottrell. “Adult Third Culture Kids.” In Carolyn D. Smith, ed., Strangers at Home: Essays on the Effects of Living Overseas and Coming “Home” to a Strange Land. Aletheia Publications, 1996.
- Pollock, David C., and Ruth E. Van Reken. The Third Culture Kid Experience: Growing Up Among Worlds. Intercultural Press, 1999.
- Fechter, Anne-Meike, and Mari Korpela. “Interrogating Child Migrants or ‘Third Culture Kids’ in Asia: An Introduction.” Asian and Pacific Migration Journal, vol. 25, no. 4, 2016, pp. 422–428. https://doi.org/10.1177/0117196816676565
- Korpela, Mari. “A (Sub)Culture of Their Own? Children of Lifestyle Migrants in Goa, India.” Asian and Pacific Migration Journal, vol. 25, no. 4, 2016, pp. 470–488. https://doi.org/10.1177/0117196816671959
ثانيا: اللغة الموروثة
- Valdés, Guadalupe. “The Teaching of Heritage Languages: An Introduction for Slavic-Teaching Professionals.” In Olga Kagan and Benjamin Rifkin, eds., The Learning and Teaching of Slavic Languages and Cultures: Toward the 21st Century. Slavica Publishers, 2000, pp. 375–403.
- Fishman, Joshua A. “300-Plus Years of Heritage Language Education in the United States.” In Joy Kreeft Peyton, Donald A. Ranard, and Scott McGinnis, eds., Heritage Languages in America: Preserving a National Resource. Center for Applied Linguistics and Delta Systems, 2001.
- Kagan, Olga, and Kathleen Dillon. “A New Perspective on Teaching Russian: Focus on the Heritage Learner.” Slavic and East European Journal, vol. 45, no. 3, 2001, pp. 507–518.
- Van Deusen-Scholl, Nelleke. “Toward a Definition of Heritage Language: Sociopolitical and Pedagogical Considerations.” Journal of Language, Identity & Education, vol. 2, no. 3, 2003, pp. 211–230. https://doi.org/10.1207/S15327701JLIE0203_4
- Valdés, Guadalupe. “Bilingualism, Heritage Language Learners, and SLA Research: Opportunities Lost or Seized?” The Modern Language Journal, vol. 89, 2005, pp. 410–426. https://doi.org/10.1111/j.1540-4781.2005.00314.x
- Montrul, Silvina. The Acquisition of Heritage Languages. Cambridge University Press, 2016.
ثالثا: دراسات عربية ذات صلة
- العنان، مؤمن، ومحمد علي الخولي. «معالم تشكيل الثقافة الثالثة عند الطلاب السوريين في الجامعات التركية». مجلة تبيان للعلوم التربوية والاجتماعية، ع 2، 2021، ص 143–173. https://doi.org/10.55857/2285-000-002-005
- الخولي، محمد علي. «الأسس والمعايير في بناء منهج تعليم اللغة العربية لأبناء الثقافة الثالثة العرب». أطروحة دكتوراه، جامعة مرمرة، 11 أيار/مايو 2022.
- رزق، جيسيكا. «أطفال الثقافة الثالثة.. أزمة الهوية ومفهوم مشتت للوطن». CNN بالعربية، 20 آب/أغسطس 2014.
- رمضان، بثينة عبد الرؤوف. «أطفال بلا جذور». الأهرام اليومي، 18 أيلول/سبتمبر 2016.




