مقال مستند إلى محاضرة أُلقيت على مسرح المكتبة الوطنية في حلب.
يبدأ تطوير التعليم السوري بمراجعة منصفة لتجربتنا: ما الذي يستحق أن نبني عليه؟ وما الذي يحتاج إلى تغيير؟ وما الحاجات التي أصبحت تتطلب استجابات لم تكن ضمن أولويات المدرسة من قبل؟
تستحق هذه الأسئلة أن تتقدم على النقاش حول تغيير الكتب أو إدخال الأجهزة أو استبدال طرائق التدريس. فهذه جميعًا وسائل، تتحدد قيمتها بما تحققه في تعلم الطلاب. أما السؤال الأعمق فهو: ماذا نريد أن يصبح المتعلم قادرًا على فهمه وفعله واختياره وتحمل مسؤوليته؟
ومن هذا السؤال يمكن أن ننطلق إلى إصلاح يحفظ عناصر القوة في تجربتنا، ويراجع ممارساتها، ويستجيب لاختلاف ظروف المتعلمين. وما أقدمه هنا رؤية للنقاش والتجريب، تستند إلى مبادئ تربوية وخبرة في العمل المعياري؛ أما الحكم التفصيلي على واقع المدارس السورية فيحتاج إلى بيانات ودراسات ميدانية.


المعرفة أساس ينبغي أن نحسن البناء عليه
من القيم التي تستحق الحفاظ عليها إعطاء المعرفة الأكاديمية وزنًا معتبرًا، ولا سيما في اللغة والرياضيات والعلوم. فالمعرفة شرط للفهم والتفكير والحكم؛ ولا يستطيع المتعلم أن يناقش قضية أو يحل مشكلة دون أساس يساعده على إدراكها.
لكن الحفاظ على المعرفة يقتضي مراجعة ما نفعله بها. فقد يستطيع الطالب استرجاع تعريف أو قاعدة، ثم يجد صعوبة في تفسير موقف أو تطبيق ما تعلمه. هنا نحتاج إلى تصميم خبرة تعليمية تنقل المعرفة إلى الاستخدام.
حين يتعلم الطالب النسبة والتناسب، يمكن أن يقارن بين عرضين للشراء أو يحسب تكلفة فعلية. وحين يدرس مفهومًا علميًا، يمكن أن يوظفه في تفسير ظاهرة أو بناء تجربة بسيطة. وحين يتعلم قاعدة لغوية، يمكن أن يستخدمها في كتابة فقرة ويراجع أثرها في المعنى.
بهذا تصبح المهارة امتدادًا للمعرفة، ويصبح التطبيق دليلًا يساعدنا على معرفة مقدار الفهم. ويكون السؤال عند مراجعة المحتوى: ما المعرفة الضرورية؟ وكيف تتدرج؟ وما الفرص التي تتيح للطالب استخدامها؟
المشترك الوطني ومرونة المدرسة
يحتاج التعليم السوري إلى إطار وطني يضمن لكل طفل حدًا مشتركًا من المعرفة واللغة والقيم والكفايات. فهذا المشترك يساعد على تماسك المجتمع، ويمنح المتعلمين حقًا واضحًا في تعليم ذي مستوى معلوم، مهما اختلفت مناطقهم وظروف مدارسهم.
وفي الوقت نفسه، تختلف حاجات الطلاب والموارد المتاحة وبيئات التعلم. لذلك يمكن أن تتوحد المعايير ومستويات الإتقان، مع إتاحة مرونة في الأنشطة والأمثلة وطرق الدعم.
قد يحقق طلاب مدرستين معيارًا واحدًا في الكتابة من خلال موضوعين مختلفين يرتبط كل منهما ببيئتهم. وقد يحتاج بعضهم إلى تدريب إضافي على المفردات، بينما يحتاج آخرون إلى تحسين تنظيم الأفكار. يظل الهدف مشتركًا، ويختلف المسار بحسب الحاجة.
وهذا ما أقصده بعبارة «مركزية في المعيار، ومرونة في المسار». وهي صيغة تحتاج إلى صلاحيات واضحة، ودعم مهني، ومتابعة عادلة للنتائج؛ حتى تستطيع المدرسة اتخاذ قرارات تخدم تعلم طلابها.
من إنهاء الكتاب إلى إتقان التعلم
من الأسئلة التي تستحق المراجعة: كيف نحكم على تقدم التعليم؟ هل نكتفي بمعرفة مقدار ما أُنجز من الكتاب، أم نبحث أيضًا عما أتقنه الطلاب؟
إن إنهاء المحتوى مؤشر على سير التنفيذ، لكنه لا يكفي للحكم على تحقق التعلم. فقد يشرح المعلم جميع الدروس، وتبقى لدى الطلاب صعوبات أساسية لم تجد وقتًا للعلاج. لذلك ينبغي أن تحدد المناهج أولويات واضحة، وتتيح وقتًا للفهم والتطبيق والتغذية الراجعة.
فالكتاب أحد موارد المنهج، بينما يشمل المنهج المخرجات والخبرات التعليمية والتقويم وطرق الدعم. وتخفيف تضخم المحتوى يتطلب فحص التكرار والتدرج وضرورة الموضوعات، بحيث يتناسب ما نطلب تعليمه مع الوقت المتاح لإتقانه. وهذا سؤال تناولته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عن تضخم المناهج وسبل معالجته.
وفي العمل المعياري، ننظم العلاقة بين المخرج والمعيار ومؤشر الأداء والنشاط وأداة التقويم. تساعدنا هذه العلاقة على تحويل الغايات العامة إلى أداء يمكن ملاحظته ومراجعته.
فإذا كان المخرج فهم نص مناسب للمستوى، يمكن أن يكون المعيار تحديد معناه العام والاستدلال عليه، وأن يكون المؤشر تحديد الفكرة الرئيسة مع ذكر دليل من النص. ثم نختار نشاطًا يدرب هذه القدرة، ومهمة تقويمية جديدة تكشف قدرة الطالب على أدائها باستقلال.
وتنسجم هذه العلاقة مع مفهوم المواءمة البنائية، الذي يربط مخرجات التعلم بأنشطة التدريس والتقويم. ويتيح هذا التنظيم أيضًا مراجعة الخلل: هل كانت المهمة مناسبة؟ وهل دربنا الطالب على القدرة التي نحاسبه عليها؟
التقويم الذي يساعد على تحسين التعلم
عندما تصبح العلامة الدليل الوحيد على النجاح، تزداد أهمية ما يرفعها في قرارات الطالب والأسرة والمدرسة. لذلك يحتاج إصلاح التعليم إلى مراجعة ما نقيسه، وكيف نقيسه، وكيف نستخدم النتائج.
للاختبارات دور مهم، ويمكن تطوير أسئلتها لتقيس الفهم والتطبيق والاستدلال. وإلى جانبها نحتاج إلى مهام أداء وأعمال مختارة للطالب وتقويم تكويني يكشف صعوباته أثناء التعلم. وقد تناولت دراسة بلاك وويليام العلاقة بين التقويم الصفي وتحسين التعلم.
فبدل الاكتفاء بسؤال عن تعريف التلوث، يمكن عرض موقف يطلب من الطالب تفسير أسبابه واختيار إجراء مناسب مع تبريره. وعند تقييم الإجابة نميز بين دقة المعرفة وقوة الاستدلال وملاءمة الحل.
لكن تنويع التقويم يحتاج إلى ضوابط. فالمشروعات المنزلية قد تتأثر بقدرة الأسرة أو توفر الإنترنت، وقد تختلف أحكام المعلمين إن لم تكن معايير التقدير واضحة. لهذا ينبغي تدريب المعلمين على بناء الأدوات ومراجعة نماذج من أعمال الطلاب معًا، وإتاحة فرص كافية للأداء داخل المدرسة.
مكانة المعلم تُبنى بالمشاركة والدعم

نحتاج إلى الحفاظ على الجدية والانضباط والمثابرة، وإلى بناء مكانة مهنية للمعلم تقوم على كفايته وحقوقه وظروف عمله ومشاركته في القرار.
وتطوير المنهج يقتضي أن يمتلك المعلم أدوات لفهم حاجات الطلاب وتصميم الأنشطة وتقويم الأداء. فنجاح أي تغيير يتأثر بما يستطيع المعلم تنفيذه في صفه، وبالوقت والموارد والدعم المتاح له.
لهذا ينبغي أن يرتبط التطوير المهني بمشكلات التعلم الفعلية. يمكن لمجموعة معلمين أن تعمل على صعوبة محددة في القراءة، فتخطط تدخلًا، وتطبقه، وتناقش أعمال الطلاب، ثم تعدله. ويصبح الاجتماع المهني مساحة لتحسين التدريس استنادًا إلى أدلة.
كما ينبغي أن يتيح الصف المنظم السؤال والمحاولة والخطأ والتصحيح. فالانضباط الذي يخدم التعلم يساعد الطالب على تحمل مسؤولية عمله والمثابرة في تحسينه، ويعزز القراءة المتأنية وبذل الجهد، من غير أن يرتبط بالخوف أو باسترجاع المعلومات وحده.

اختلاف خبرات المتعلمين يفرض التشخيص
قد يجتمع في الصف طلاب درسوا في نظم تعليمية مختلفة، وآخرون انقطعوا عن التعليم، وطلاب يحتاجون إلى دعم في العربية الأكاديمية. ولا يكشف العمر أو الصف الدراسي وحده جميع هذه الحاجات.
لذلك أقترح أن يبدأ الدعم بتشخيص مختصر للقراءة والكتابة والحساب والمعرفة الأساسية، مع مراجعة التاريخ التعليمي للطالب. وبناء على ذلك تُصمم برامج جسر أو مسارات دعم، وتُراجع وفق مقدار التقدم.
ومن الضروري التمييز بين ضعف لغة التعلم وضعف الفهم المعرفي. فقد يعرف الطالب مفهومًا بلغة أخرى، ويحتاج إلى تعلم التعبير عنه بالعربية. كما قد يمتلك العائد من المهجر لغات ومهارات وخبرات نافعة ينبغي أن تجد مكانًا في المدرسة.
وتؤدي العربية هنا وظيفة تتجاوز حدود المادة الدراسية؛ فهي لغة لفهم التعليمات والنصوص والمفاهيم، والتعبير عن المعرفة في المواد المختلفة. ولذلك يحتاج دعمها إلى تعاون بين معلمي المواد. ويتضح تعلمها حين يوظف الطالب قاعدة نحوية في كتابة فقرة ومراجعتها، أو يفسر نصًا أدبيًا مستشهدًا بما يسند فهمه؛ فهي لغة للتفكير والتواصل والهوية، لا مادة للحفظ وحده.
التقنية تعيد طرح سؤال التعلم
توسع إتاحة المعلومات والأدوات الرقمية يزيد أهمية التحقق من المصادر، وصياغة الأسئلة، ومقارنة الإجابات، وتفسير النتائج. وتظل المعرفة الأساسية ضرورية لهذه الممارسات؛ إذ تساعد المتعلم على إدراك الخطأ وفحص معقولية الإجابة.
يمكن أن يقارن الطالب إجابة مولدة بنص موثوق، ويحدد ما يحتاج إلى تحقق. ويمكن في التقويم أن يشرح طريقة عمله ويناقش اختياراته وينجز جزءًا من المهمة داخل الصف. وتحتاج هذه الاستخدامات إلى قواعد مناسبة للعمر بشأن الخصوصية والأمانة في نسبة العمل إلى صاحبه.
كما ينبغي أن تراعي المدرسة تفاوت الوصول الرقمي. فقيمة التقنية تتحدد بما تضيفه إلى التعلم، وبإمكان استخدامها على نحو منصف ومستدام. وهذا من الأسئلة المركزية التي يطرحها تقرير اليونسكو عن التقنية في التعليم.
العمل والهوية المشتركة

يرتبط إعداد المتعلم للمستقبل بكفايات قابلة للانتقال بين مواقف الحياة والعمل: التواصل، والتعلم المستقل، وحل المشكلات، والعمل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية. ويساعد التعليم كذلك على بناء انتماء مشترك يحترم الاختلاف ويجعل الحوار وسيلة للتفاهم، ويتيح للطلاب التعرف إلى الذاكرة المحلية من خلال مصادر متعددة وموثوقة.
الجودة تحتاج إلى أدلة وإنصاف

تشمل جودة التعليم ملاءمة أهدافه، وإتقان مخرجاته، والإنصاف في فرص التعلم، وسلامة بيئته. وتعني الفاعلية مقدار تحقيق الأهداف، بينما تتعلق الكفاءة باستخدام الوقت والمال والموارد لتحقيقها.
إذا حددنا مستوى متوقعًا لفهم المقروء، نحتاج إلى دليل على تحقق هذا المستوى. وإذا تحسن المتوسط العام وبقيت فئة من الطلاب خارج التحسن، يظل سؤال الإنصاف قائمًا. وإذا احتاج التدخل إلى موارد تعجز المدرسة عن استمرارها، فعلينا مراجعة كفاءته واستدامته.
ويمكن أن تبدأ المتابعة بعدد محدود من المؤشرات: إتقان القراءة والحساب، والانتظام في الدراسة، والتقدم بعد الدعم، وجودة أعمال الطلاب، والفروق بين الفئات. وتُستخدم البيانات لتحديد الحاجة وتحسين القرار، مع حماية خصوصية الأطفال.
أولويات عملية للإصلاح
أقترح أن يبدأ العمل بإطار واضح لمخرجات المتعلم في نهاية المراحل الأساسية، يشارك في مراجعته المعلمون والمتخصصون والجهات التعليمية ذات الصلة. ثم تراجع المناهج وأدوات التقويم معًا، بحيث تتسق المعرفة المطلوبة والأنشطة والأسئلة مع هذه المخرجات.
وبالتوازي، نحتاج إلى تشخيص الحاجات الأساسية وبناء برامج دعم للعائدين والمنقطعين ومن يواجهون صعوبات في التعلم، وإلى تطوير مهني داخل المدرسة يوفر للمعلم فرصة التطبيق والمراجعة.
وتحتاج هذه المقترحات إلى تجريب في مدارس تمثل بيئات مختلفة. نوثق ظروف التنفيذ، وتقدم الطلاب، والعبء على المعلم، ثم نتخذ قرارًا بالتعديل أو التوسع. فنجاح تجربة في مدرسة ذات موارد خاصة يحتاج إلى فحص قبل تعميمها. ويمكن تنظيم التجريب في دورة من ثلاث خطوات: تشخيص الحاجة وتحديد هدف واضح؛ تطبيق تدخل محدود مع دعم المعلمين؛ ثم مراجعة الأدلة وتعديل التدخل أو توسيعه. وهذه مقترحات عملية للنقاش والتجريب، لا وصف لبرنامج رسمي معتمد.
والرؤية التي تجمع هذه الخطوات هي بناء متعلم تتكامل لديه المعرفة والقدرة والقيمة والمسؤولية. وفي مرجعيتنا، تؤصل الأمانة والاستخلاف والعمران لمسؤوليته عن أثر ما يتعلمه، وتظهر تربويًا في الصدق وإتقان العمل وحفظ الموارد واحترام الآخرين.
لهذا ينبغي أن يرافق كل قرار في تطوير التعليم السوري سؤال واضح: ماذا أصبح الطالب قادرًا على أن يفهم ويفعل ويختار ويتحمل مسؤوليته بسبب تعلمه؟
وعندما نستطيع تحديد الإجابة، وتصميم التعلم لتحقيقها، وجمع الأدلة على تحققها، يصبح الإصلاح عملًا قابلًا للمراجعة والتحسين، وتصبح المحافظة والتغيير قرارات تستند إلى غايات واضحة وأثر معلوم.








